القيروان واجهت العديد من الهجمات في عهد عقبة بن نافع الفهري ، حتى أن بناء هذه المدينة تم لأسباب عسكرية بحتة، خاصة وأن المدينة كانت تواجه هجمات شرسة من قبل ال…
رحلة عقبة بن نافع إلى القيروان
لم يكن عقبة بن نافع رجلَ سيفٍ فقط، بل كان رجلَ رؤية. كان يؤمن أن رسالة الإسلام لا ينبغي أن تتوقف عند حدودٍ رسمتها الجبال أو البحار، بل يجب أن تمضي حيث تغرب الشمس، وحيث يظن الناس أن النهاية هناك. ذلك الإيمان العميق هو ما أشعل في صدره حلمًا بدا، في نظر كثيرين، ضربًا من الجنون. في ذلك الزمان، كانت أراضي المغرب العربي ترزح تحت قبضة البيزنطيين، قوةً عسكريةً ضاربة، مدنًا محصنة، وحاميات لا ترحم. لم تكن الأرض وحدها عدوًا، بل الصحارى الممتدة، والقبائل المتوجسة، والغابات التي تخفي وحوشًا لا تقل فتكًا عن الجيوش. شهدت تلك البلاد هجمات دامية، وسقط فيها عشرات الضحايا، حتى صار الخوف سيّد الطرق. لكن عقبة لم يكن من الذين يتراجعون أمام الخوف.
وُلد عقبة بن نافع الفهري في مكة، في بيتٍ عُرف بالجهاد والقيادة. نشأ وهو يسمع أخبار الفتوحات، ويرى في عيون الرجال معنى الرسالة. وكان قربه من القائد عمرو بن العاص مدرسةً مبكرة، فتعلّم كيف يُدار الجيش، وكيف يُصاغ الحلم في هيئة خطة. ومنذ شبابه، لم يفارق مخيلته هدف واحد:
أن يصل الإسلام إلى آخر الأرض غربًا.
وحين فُتحت مصر سنة 641م، بدا الطريق ممهدًا لأول خطوة. كانت مصر بوابة إفريقيا، ومنها تبدأ المغامرة الحقيقية. عُيّن عقبة قائدًا للحملات المتجهة غربًا، فانطلق بجيشه نحو برقة، ثم إلى أعماق ليبيا، يسابق الرمال والريح. هناك، واجه مقاومة شرسة من بقايا الجيوش البيزنطية ومن بعض القبائل المحلية التي رأت في القادمين تهديدًا لعالمها القديم. كانت المعارك قاسية، والخسائر موجعة، لكن عقبة لم يتوقف. كان يرى في كل معركة خطوة أقرب إلى الحلم، وفي كل نصر رسالة جديدة تُكتب على وجه التاريخ.
ومع مرور السنين، وصل عقبة بجيشه إلى الأرض التي تُعرف اليوم بتونس. كان ذلك عام 50 للهجرة، الموافق 670م. عندها، أدرك أن الفتح لا يكتمل بلا جذر ثابت، وأن الجيوش بلا مدينة تشبه سفنًا بلا مرافئ. فقرر أن يبني مدينة لا تكون للترف، بل للحماية، لا للزينة، بل للثبات. اختار موقعًا بعيدًا عن السواحل، حيث لا تصل سفن البيزنطيين بسهولة، محاطًا بالغابات الكثيفة، والأشجار العملاقة، والوحوش التي كانت تجوب المكان. رآها عقبة دفاعاتٍ طبيعية، حصنًا خلقته الطبيعة قبل أن يكتمل بالسواعد.
وفي ذلك الوادي، وقف عقبة بن نافع وقال كلمته التي صارت أسطورة:
«يا أهل الوادي، إنّا حالّون فيه إن شاء الله، فاخرجوا عنا!»
قيل إنه كان يخاطب السباع والحيات، وقيل إن الوحوش خرجت من الوادي كما لو أن الأرض نفسها أذعنت. وهكذا وُلدت مدينة القيروان، مدينة لم تُبنَ لتكون جميلة، بل لتكون منيعة، حصن الإسلام في شمال إفريقيا.
جامع عقبة بن نافع في القيروان
ومن القيروان، انطلقت الجيوش. مدينة بعد مدينة، وسهلًا بعد سهل، حتى بلغ عقبة بسيفه ورسالته سواحل المحيط الأطلسي. هناك، وقف أمام بحرٍ لا يرى له نهاية، وغرس رمحه في الماء، وقال كلمته الخالدة:
«اللهم لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك.»
كان ذلك ذروة المجد… لكن التاريخ، كما البحر، يخفي في عمقه ما لا يُرى على السطح.
عاد عقبة إلى القيروان، وقد شعر بشيءٍ من الأمان. كان ذلك خطأه الوحيد. قلّل عدد الجنود، واقترب من قومٍ دخلوا الإسلام حديثًا، ظنًّا منه أن الإيمان قد استقر في القلوب. ومن بينهم كان كسيلة البربري، الذي أخفى في صدره ولاءً سريًا للبيزنطيين.
لم يعلم عقبة، ولا علم جنوده، أن الخيانة كانت تسير معهم في الصفوف.
وفي طريق العودة، قرب مدينة تهودة، نُصب الكمين. أُحيط بعقبة ومن معه، وعُرض عليه النجاة مقابل التراجع. لحظةٌ واحدة كانت كفيلة بتغيير مجرى التاريخ، لكنه قال كلمته الأخيرة بثبات:
«أما أنا، فإني لا أفرّ من الموت.»
قاتل حتى آخر رمق، وسقط شهيدًا سنة 683م. دُفن بيد أعدائه قبل أن يودّعه أصحابه. لكن موته لم يكن نهاية، بل بداية أخرى. فبعد سنوات، عاد المسلمون، وانتشر الإسلام في المغرب والأندلس، وبقيت القيروان قلبًا نابضًا للعلم والجهاد.
وفي قلب القيروان، ارتفع جامع عقبة بن نافع. لم يكن مسجدًا عاديًا، بل قلعة. جدران سميكة، أبراج مراقبة، نوافذ مرتفعة، وهيئة عسكرية صريحة. كان مكانًا للصلاة، نعم، لكنه كان أيضًا مركز قيادة، ومأوى، وخط دفاع متقدم. بُني ليحمي الدين كما يحمي السيف الأرض. جاءت أعمدته من حضارات سابقة: من قرطاج، ومن مبانٍ رومانية وبيزنطية. لم يكن ذلك فقرًا في الموارد، بل رسالة واضحة:
الإسلام يرث الحضارات، ولا يهدمها.
لهذا بدت الأعمدة مختلفة الأطوال، والتيجان غير متشابهة، وكأن التاريخ كله يقف في صفوف متجاورة. أما المحراب، فكان تحفة نادرة، أقدم وأغنى محراب في الإسلام، مكسوًّا بالخزف والزخارف المذهّبة، يشهد على هيبة المكان. وحددت القبلة بحسابات فلكية بدائية، قبل أن تعرف البوصلة طريقها. وارتفعت المئذنة مربعة الشكل، بثلاثة طوابق ضخمة، للأذان والمراقبة معًا.
وفي الصحن المفتوح، تجلّت عبقرية الضوء والماء. أرضية مائلة لتصريف الأمطار، وظلال تخفف قيظ الحر، وتهوية طبيعية جعلت الجامع متكيفًا مع مناخ القيروان القاسي. لم يكن الجامع للصلاة فقط، بل كان جامعة. حلقات علم، قضاء، نسخ مخطوطات. أروقة للتعليم، وصحن للنقاش، ومحراب يرمز للسلطة الروحية. تعاقبت عليه عصور: أمويون، عباسيون، أغالبة، فصار حجرًا واحدًا يحكي تاريخًا متناسقًا بلا تناقض.
وهكذا، لم يكن عقبة بن نافع فاتحًا عاديًا.
رأى ما لم يره غيره.
مات وحيدًا في الصحراء…
لكن ملايين ساروا على أثر خطاه.
وبقيت القيروان، حتى اليوم، شاهدًا حيًا على أن:
العلم يُبنى بالصبر، والدين يُحرس بالعقل… قبل السيف.
اكتشاف المزيد من الموضوع حصري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
