قصص وأسرار إنسانية مؤثرة عن “جون ألبرت” الرجل البسيط الذي كرس حياته لتربية ابنته “ثريا”، بين قسوة الفقر وحنين الماضي، حتى يصل إليه خطاب غامض يفتح بابًا لمفاجآت غير متوقعة. حكاية عن الكرامة، الأمل، والحب الأبوي في مواجهة صعوبات الحياة. قصص وأسرار
قصص وأسرار الفصل الاول من حكاية القناع الفضي
كان يجلس على مقعدٍ خشبي متهالك، لا يعلو الأرض إلا بضع سنتيمترات، وإلى جانبه ابنته ثُريا ذات الثامنة عشرة، تؤنس وحدته وتشاركه عناء إصلاح جنزير دراجته الهوائية القديمة. قال لها بصوته الحنون، الذي يتسلل من خلف غابة شعره الأبيض:
– الحياة قاسية، أليس كذلك؟
فركت ثُريا أصابعها الملطخة بالشحم والزيت، ثم أشرقت على وجهها البيضاوي ابتسامة عذبة أضاءت قلب والدها الهرم، وقالت:
– نعم يا أبي، لكنها ستكون أهون ما دمنا نعمل من أجل يوم يشرق فيه وجهك.
رمقها بنظرةٍ تحمل مجلداتٍ من المعاني، ثم باغتها قائلاً:
– هل تظنين أنه سيعود؟
ارتبكت، فسقط المفك من بين أصابعها، وحين همّت بالرد خذلتها الكلمات، فعبثت بخصلات شعرها المجعد بشرودٍ ظاهر. ضحك جون بخفة، لم يكن يبحث إلا عن ذلك الحياء الذي يعشقه في ابنته، وقال مطمئنًا:
– إنهم لا يعودون للفقراء أمثالنا، يا ثريا. لقد عشتُ ظروفًا مشابهة في الماضي، لذلك لا تتعلقي بما لا ملامح له.
ابتسمت بحنوٍّ وأجابت:
– هذا ما تعلمته منك، أبي… وسأظل عليه. والآن دعني أعدّ لك وجبة الغداء.
كان جون ألبرت قد تزوج والدة ثريا قبل عقود، لكنها فارقت الحياة أثناء ولادتها، فسمّاها تيمّنًا باسم أمها الراحلة. ومنذ ذلك اليوم لم يعرف قلبه امرأة أخرى، فقد كرّس حياته لتربية ثريا ورعايتها. بلغ جون عقده الخامس، بينما كانت ابنته على وشك التخرج من كلية الطب؛ حلمٌ طالما تمنى تحقيقه. ومع ذلك، كان يؤرقه أنها تقاسي المشقة للوصول إلى الجامعة، فاشترى لها دراجةً هوائية أصبحت وسيلتها اليومية إلى الدراسة، بل رمز كفاحهما معًا. حين غادرت ثريا المكان، سكن الصمت قليلاً، وابتسم جون وهو يتأمل ملامحها البريئة المفعمة بالحياء. ثم رفع رأسه وقال بصوتٍ خافت بعد تنهيدةٍ عميقة:
– من يدري… ربما يكون صادقًا معها.
وعاد إلى عمله بإصرارٍ وعناء. في تلك الأثناء، توقفت أمام البيت دراجةٌ بيضاء عليها شعار مكتب البريد، يقودها شاب في منتصف العشرينات. اقترب بابتسامةٍ ودودة، ومدّ إلى جون مظروفًا قائلاً:
– هذا الخطاب وصَلَ بالأمس من مدينة داون سوكا.
خطف جون الرسالة بلهفة، حتى بدا على عامل البريد أنه كان ينتظرها منذ زمنٍ بعيد، ثم غادر الشاب بهدوء، تاركًا جون غارقًا في فضوله. لم تكن سنوات جون سهلة؛ فقد اعتاد الانتظار حتى صار عادةً يوميةً تمنحه أملًا صغيرًا، يُجدّد ما تبقى من روحه المنهكة. قرأ الخطاب بتمعن، ثم شرَدَ بعيدًا وهو يطويه، كأن ما قرأه أيقظ شيئًا في داخله كان نائمًا منذ زمن. في تلك اللحظة، جاءت ثريا حاملةً سُفرة الغداء، لا تحوي سوى صنفين بسيطين من الطعام وبعض الخبز، وقالت بابتسامةٍ مازحة:
– ننتظر العم جون ليُخبرنا من هي الحسناء التي أرسلت له هذا الخطاب!
لم تكن ثريا وحدها من استغربت وصول الرسالة؛ حتى السيد دانيال السمكري لم يفوّت الفرصة، فمرّ بجانب جون قائلاً بسخريةٍ لطيفة:
– يبدو أن لك طرقًا جديدة يا جون! من أين جاء هذا الخطاب؟
لكن جون، العارف بطبيعة أهل بلدته الفضوليين، اكتفى بابتسامةٍ صفراء دون جواب. وبعد لحظةٍ من الصمت قال بنبرةٍ متأثرة:
– إنها دعوة لحضور حفل زفاف والد ألكسندر. كنت أظن أنه نسي أننا ما زلنا في هذه الحياة.
ضحكت ثريا وهي تصب الماء في يدي والدها المتشققتين من عناء الأيام، وقالت:
– ألكسندر هو من أرسل الدعوة، أما والده فما زال متعجرفًا كما عهدناه. أعلم أنه شقيقك يا أبي، لكنك تعرف طباعه. إن قررتَ الذهاب إلى الحفل، فسأكون معك. أريد أن أساند ألكسندر، خاصة بعد وفاة والدته، فهو وحيد والديه… وسأكون له كأختٍ في هذا اليوم. ربت جون على كتفها بحنان، وتأملها نظرةً طويلة، كأنه يرى أمامه مرحلةً جديدة في حياة ابنته، مزيجًا من النضج والأنوثة والإدراك.
تغير مسار الحديث حين بدأ جون يفكر في الملابس التي يمكنه ارتداؤها لتلك المناسبة، ففتح خزانته ولم يجد ما يليق بالحفل. ضحكت ثريا عندما سمعته يقول بنبرةٍ ساخرة:
– لو جمعنا خزانة ملابسنا معًا، لما وجدنا ما يصلح حتى لركوب سيارة أجرة، دعكِ من دخول قصرٍ فخم!
ردت ضاحكة:
– الحل بسيط يا أبي… نستعين بمحل جوزيف المكوجي!
عندها انفجر جون ضاحكًا حتى كاد يسقط من مقعده، وقال:
– لا، لن أكرر تلك الحماقة أبدًا!
فقد تذكّر تلك الواقعة القديمة حين استأجر بدلة من محل جوزيف لحضور مناسبة، ليتضح لاحقًا أنها تعود لشقيق العريس نفسه! ولولا اعتراف جوزيف بأنه هو من أعارها له، لكان جون الآن يقبع خلف القضبان.
ويبقى السؤال معلقًا في الأفق:
هل سيذهب جون إلى ذلك الحفل؟
وماذا ينتظره هو وابنته من مفاجآتٍ في ذاك القصر البعيد؟ قصص وأسرار
اكتشاف المزيد من الموضوع حصري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
