مدينة دقة حاول الزمن محوها، لكنها ظلت راسخة ورابضة في مكانها ، رغم كل هذه السنوات التي مرت عليها إلا أنها بقت كأنها تعاند الزمن ، وتصارع من أجل البقاء وتركت لنا هذه القصة الثرية بالاحداث
دقة التي تنظر الينا عاصرت كل الازمنة
لم تُولد دقّة مدينةً عادية. وُلدت كأنها تعرف أن الزمن سيحاول محوها، فقررت أن تترك كل شيء مكتوبًا على الحجر. من يقف اليوم فوق هضبتها العالية يشعر أن المدينة لا تُزار، بل تُستدعى، وأن تاريخها لا يُقرأ بل يُروى همسًا، كقصة طويلة بدأت قبل آلاف السنين ولم تنتهِ بعد. قبل أن يعرفها الرومان، وقبل أن تُذكر في خرائط الإمبراطوريات، كانت دقّة تُدعى توقّا. مدينة نوميدية أمازيغية، نبتت فوق صخرة عالية تشرف على السهول الخصبة. اختارها أهلها بعناية؛ قريبة من الزراعة، بعيدة عن الغزاة، ومحصّنة بالطبيعة، كانت هذه المواصفات هي الأفضل لكل من كان يبحث عن مكان للإقامة فيه، ذلك بسبب كثرة هجمات الرومان في ذلك الوقت ، ما جعلها ملجأ آمن لسكانها…
في تلك الأيام، لم تكن المدينة مبنية بالحجر المصقول، بل بالإيمان. آلهة الأرض والسماء، أرواح الأسلاف، وطقوس تُقام مع شروق الشمس وغروبها. كانت توقّا عاصمة محلية، تُدار بأيدي أبنائها، وتتكلم لغتها الليبية القديمة. وكانت الحياة فيها هادئة ، لكن كان سكانها يؤمنون ببعض الخرافات، مثل استدعاء الأرواح ، مع هذا كانوا يؤمنون بالله، إلا أنهم كانوا يقيمون طقوسا خاصة يراها القادم إليهم ، من خلال التجمعات التي كانوا يقيمونها في احتفالاتهم.
مدينة دقة بعد توسع قرطاج
إن توسع قرطاج عبر البحر، كان له دور كبير في رفاهية مدينة دقة، لأن هذا التمدد تبعه ثقافة جديدة، ولغة جديدة دخيلة على مجتمع دقة، بالإضافة إلى الرفاهية التي عاشوها بعد أن تعلموا التجارة ، واضاف هذا التمدد لغة جديدة لهم وهي اللغة البونية، ليس هذا فحسب بل إنهم شاهدوا عالم جديد بعد رست السفن الأوروبية على شواطئهم. كان شعور لا يوصف، لأنه أضاف لمدينتهم نكهة جديدة جعلت من حياتهم اليومية أمر جديد ممتع وسهل، والجيد في هذا أن هذا التمدد لم يمحو هويتهم بل أضاف لها شئ جديد.
بعد ذلك صارت الأسواق أكثر تنظيماً ، وتحولت المدينة إلى مزيج من الأمازيغية والقرطاجية، ثم دخلت معها طقوس جديدة ، وادرك سكانها أنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم. في عام 146 قبل الميلاد وبعد أن سقطت قرطاج ، تأثرت مدينة دقة أو توقا، لأن الرومان دخلوا الأرض ومعهم قوانين جديدة، وهو ما كان سكان دقة يحذرون منه من قبل. لكن هذا الأمر لم يدمر المدينة بل جعلها أكثر ازدواجية بين النوميديون الذين باتوا يحكمون أنفسهم ، والرومان الذين يديرون هذه الازدواجية , مع هذا التنوع كان هناك حذر شديد في تنفيذ قوانين التعايش، لأن هناك العديد من اللغات، لتعيش دقة مرحلة جديدة من المعمار حين تحولت المعابد إلى شكل جديد أكثر جمالا ، والشوارع التي رصفت بشكل جديد يعكس هذا التنوع.
مدينة دقة في القرن الأول الميلادي وما بعده
في القرن الأول الميلادي، لم تعد توقّا تُدعى إلا دقّة . صارت مدينة رومانية كاملة، مُنح أهلها المواطنة، وارتفعت المباني كما لو أنها تتحدى السماء. بُني المسرح، وامتلأت مدرجاته بالضحك والتصفيق. شُيّد معبد الكابيتول، ووقف معبد ساتورن شاهدًا على امتزاج الإله الروماني بالجذور النوميدية. في الفوروم تُعقد الصفقات، وفي الحمّامات تُقال أسرار لا تُكتب. كانت المدينة تعيش، لا تزدهر فقط. زيت الزيتون يتدفق، والحبوب تُخزَّن، والثقافات تختلط دون أن تلغي بعضها. لكن الآلهة لا تبقى إلى الأبد. في القرن الرابع، دخلت المسيحية إلى دقّة. المعابد خفَتَت أصواتها، والكنائس ارتفعت. صارت المدينة مركزًا أسقفيًا، وتبدّلت الطقوس، لكن الحجر ظل هو نفسه، يراقب التحوّل بصمت.
ثم جاء التعب. الإمبراطورية الرومانية تضعف، الوندال يهاجمون، والبيزنطيون يحاولون الترميم. الاقتصاد ينهار، والحقول تُهمل، والمدينة تفقد سبب وجودها. مع الفتح الإسلامي، لم تُدمَّر دقّة، بل تُركت. وهذا كان مصيرها الأغرب: أن تموت ببطء، دون حريق، دون مذبحة، فقط بالهجران. في العصور الوسطى، سكنها العابرون. بنوا جدرانًا بسيطة داخل المعابد، ثم رحلوا. لم تعد دقّة مدينة، بل مأوى، ثم ذكرى. ومع كل رحيل، كانت الحجارة تزداد صمتًا، لكن الذاكرة تزداد ثقلًا. في القرن التاسع عشر، وصل الرحالة الأوروبيون. نظروا بدهشة إلى مدينة لم تبتلعها الحداثة. بدأت الحفريات، وكُشف الستار عن مسرح، ومعابد، وشوارع كأن أهلها خرجوا منها أمس.
في القرن العشرين، أُبعد السكان القليلون حفاظًا عليها، وصارت دقّة موقعًا أثريًا. عام 1997، اعترف العالم أخيرًا بما كانت دقّة تعرفه منذ البداية بأنها استثنائية. أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لا كأطلال، بل كمدينة كاملة متوقفة في الزمن. اليوم، تقف دقّة كما كانت دائمًا: عالية، صامتة، وممتلئة بالأصوات التي لا تُسمع. ليست مدينة ميتة، بل مدينة تنتظر من يصغي. من يمشي في شوارعها يشعر أن الخطوات ليست وحدها، وأن الحجر يتذكر أكثر مما نتصور. دقّة لم تُهجر… دقّة انسحبت لتبقى.
اكتشاف المزيد من الموضوع حصري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
