قرطاج لم تنم في تلك الليلة التي قررت فيها الملكة عليسة هذا القرار، كما تخبرنا الاسطورة التونسية عن هذه الشخصية التي تظهر قوة وإرادة المرأة عندما ترغب في فعل شيء ، هذه القصة واقعية حسب التاريخ التونسي
دمٌ في قصر صور قصة عليسة ملكة قرطاج
كانت عليسة لا تحب الممرات الطويلة في قصر صور. لأنها كانت تشعر أن الجدران تسمع، وأن الظلال تتآمر. حتى تاكد حدسها في تلك الليلة، عندما دخلت الغرفة فوجدت زوجها أشربعل ممددًا على الأرض. كان صدره مفتوح، ودمه لا يزال دافئًا. حينها لم تصرخ ، بل ركعت بجانبه، ووضعت يدها على قلبه الذي توقف عن الخفقان بسبب أخيها بجماليون. في تلك اللحظة، ماتت الأميرة وولدت الملكة. حاول شقيقها بجماليون أن يبتسم لها في اليوم التالي. حين قال:
«كان قَدَرًا… لا أكثر».
لكن عليسة رأت الطمع في عينيه. لأنه كان يريد ذهب زوجها، وكان يريد شقيقته عليسة أن تبقى صامتة عن ما شاهدت. في تلك اللحظة وخوفا على نفسها تظاهرت بالطاعة، وارتدت السواد، وبكت أمام الناس. وفي الليل، كانت تجمع الرجال الأوفياء، والبحارة، والكنوز المخفية. حينها لم يكن شقيقها يعرف ما تفكر به عليسة، لأنها بالفعل كانت تعد نفسها للهروب عبر البحر. جمعت محبيها ومن لهم ولاء لها، بعد أن أعدوا لها سفينة الهروب ، وحين تحركت السفينة تحت جنح الظلام، كانت صور خلفها تحترق في قلبها، لم يكن سهلاً أن تغادرها، لكنها تعلم أن بقائها فيها بات خطراً عليها. ثم اقسمت عليسة وهي تنظر إلى الأفق:
> «إن عدتُ، فلن أكون لاجئة… بل لعنة».
حين لامست قدما عليسة رمال الساحل، لم تركع لتقبّل الأرض، بل وقفت صامتة. كانت تونس القديمة أمامها غريبة، برية، لا تعرف اسمها ولا تاريخها. خلفها بحرٌ ابتلع ماضيها، و أمامها أرض قد تصنع مستقبلها أو قبرها. قال أحد البحارة بخوف:
«هل سنبقى هنا؟»
أجابت دون أن تنظر إليه:
«هنا سنولد من جديد».
في الليالي الأولى، نامت عليسة على الرمل مثل باقي الهاربين. لم يكن هناك قصر، ولا حراس، فقط نار صغيرة تحيط بها العيون المرتابة. كانت تسمع همسات الرجال:
هل ستنجح؟
هل سيهاجمنا أهل الأرض؟
لكنها لم تنم. كانت تحدّق في الظلام، تفكر:
«إن ضعفتُ الآن، انتهينا جميعًا».
عندما وقفت أمام زعماء القبائل، لم ترفع صوتها. القوة الحقيقية لا تصرخ. قالت:
«أطلب أرضًا… لا أكثر من مساحة جلد ثور».
ضحكوا، لكن الضحك مات عند الفجر. حين رأوا الأرض محاطة بشرائط الجلد، فهموا أن هذه المرأة لا تُخدع بسهولة. ومنذ ذلك اليوم، بدأ اسمها يُقال بحذر. كبرت القرية، ثم صارت مدينة. المرافئ امتلأت، والسفن جاءت من كل اتجاه. عليسة كانت في كل مكان:
تراقب البناء وتحاسب التجار وتسمع شكاوى البحارة
لم تُعرف عنها ضحكة عالية، ولا دمعة علنية. كانت تحمل قرطاج في صدرها كما يُحمل الجرح. في المساء، حين ينام الجميع، كانت تصعد إلى السور وحدها. تنظر إلى البحر، هو نفسه البحر الذي أخذها من صور. لتقول وهي تهمس:
«لم أهرب أنا فقط تأخرت عن قدري».
ثم بُنيت المدينة، وارتفعت الجدران، وبدأ اسم قرطاج يُهمس به في الموانئ، عليسة لم تتزوج. كانت المدينة زوجها، والبحر ابنها. لكن السلام لا يحب المدن الصاعدة. في إحدى الأيام جاء الملك يارباس، وهو ملك محلي، وتقدم بطلبٍ لكنه لم يكن طلبًا عادي حين قال:
«إما الزواج… أو الحرب».
عرفت عليسة أن المدينة لم تشتد عودها بعد. لم تُرِد أن تُحكم، ولم تُرِد أن تُدمَّر. فاختارت طريقًا ثالثًا وهو طريق الأسطورة. حين أعلنت أنها ستتزوج، لكنها طلبت ليلة وداع. ثم بنت محرقة عالية، ووضعت عليها رموز زوجها المقتول، ثم تجمّع الناس في صمتٌ ثقيل. وقفت عليسة فوق النار، وقالت بصوتٍ يسمعه التاريخ:
«هذه المدينة وُلدت من خيانة، ولن تعيش في خضوع».
في تلك الليلة، لم تنم قرطاج. وعليسة لم تبكِ.
كانت تعرف أن زواجها يعني نهاية الحلم، وأن الحرب تعني موت الأبرياء. كانت النار تلمع في عينيها، وقالت:
> «جئتُ إلى هذه الأرض هاربة… وأغادرها حرة».
يقال إن الريح تلك الليلة لم تهدأ، وإن البحر ظل هائجًا أيامًا. ويقال إن قرطاج، كلما واجهت خطرًا، تذكرت امرأة نامت يومًا على الرمل، وقررت ألا تنحني.
ثم قفزت على النار و ابتلعت جسدها، لكنها أطلقت روح قرطاج . يقول البحارة إنهم كانوا يرون امرأة تقف على الأسوار ليلًا. ويقول الرومان إن قرطاج كانت تقاتل بعنادٍ غير بشري. ويقول التاريخ إن مدينة كاملة حملت روح امرأة رفضت أن تُملَك.
خاتمة
هكذا كانت حياة عليسة في قرطاج :
قصيرة… قاسية… ومليئة بالاختيار. لم تعش لتكون سعيدة، بل لتكون بداية. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد قرطاج مجرد مدينة… بل وعدًا لا يموت. وحين سقطت قرطاج بعد قرون، قال أحدهم:
> «المدينة احترقت… كما احترقت ملكتها يومًا».
لكن النار لا تعني النهاية دائمًا. أحيانًا… تعني الخلود.
اكتشاف المزيد من الموضوع حصري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
